آخر الموثقات

  • الجدة..!
  • الجوهرة السوداوية
  • البول الغامق معناه أنك تطمئن على الكلى
  • عادل أبو سنة
  • الطب وقيمته
  1. المنصة
  2. 🏠 مركز التدوين و التوثيق ✔
  3. 💎 الأعمال الموثقة
  4. من مذكرات طبيب طوارئ - الحوادث الجماعية لحظات قاسية

مدونات مركز التدوين والتوثيق

استمتع بقراءة أعمال عالية المستوى بقلم كتّاب مركز التدوين والتوثيق.

ابدأ بكتابة اسم الكاتب أو جزء منه، وستظهر لك المدونة المطلوبة؛ المدونات مرتبة هجائيًا.

(مذكرات طبيب طوارىء) 

الحلقة الثانية 
- الحوادث الجماعية ....لحظات قاسية - 
 
لم تكن هذه هي الحلقة المقرر نشرها فى هذه السلسة , و لكن ما نمر به من احداث قد يفرض عليك اولوية ما تقدمه او تكتبه او تفكر فيه  .... لقد فجعنا منذ ساعات  بكارثة حادث القطارين فى مدينة طهطا بمحافظة سوهاج , و شاء القدر ان اكون ضمن الفرق الطبية المشتركة فى مواجهة الحدث دون أي تنسيق مسبق !!
لقد قابلت فى حياتى عدد غير قليل من الحوادث الجماعية , و دوما تكون صعبة ذات وقع قاسي على النفس و تترك بها اثر لا ينسى على مر السنين ...  و لكن لا اعرف لماذا كان هذا الحادث الاكثر ايلاما لنفسي , ربما لخلفيات احداث عائلية قريبة بفقد اعزاء على القلب , فصارت النفس مجهدة لا تحتمل المزيد , و لله الحمد من قبل و من بعد !!
بعد صلاة الجمعة بقليل .... علمت باتصال من زوجتى ان مستشفى المراغه المركزي قد وجه نداء طوارىء الى كل اطبائه – و هى احدهم -  بسرعة التواجد فى المستشفى لمواجهة حادث القطارين , لم اكن قد علمت بالحادث اصلا الا من خلال مكالمتها , ....خلال دقائق اتصلت بها و اخبرتها اني فى المستشفى , لانى اعلم ذلك النقص الرهيب فى عدد اطباء الاشعه بشكل عام , و مدي احتياج اي حالات طوارىء او حوادث لطبيب اشعه ليحدد مسارها ما بين التدخل الجراحي السريع او الملاحظة ...... و ما ان دخلت المستشفى و الا و رأيت ذاك المشهد الرهيب و الموقف المهيب  !!!
عشرات الاشخاص بين باكي و منهار , امام مشرحة المستشفى , و مئات الاشخاص و السيارات تملأ فناء المستشفى  , حالة شديدة من امواج الالم و الحزن و الخوف و التوتر المتلاطمة ,  عشرات الاطباء و الصيادلة و  الفنيين و التمريض هرعوا الى المكان , اطباء من جميع الفئات العمرية و الدرجات العلمية يواجهون الكارثة , بدءا من مدير الادارة الصحية و مدير المستشفى الى اصغر الاطباء او الافراد سنا ...حتى طلاب التمريض جاءوا متطوعين , ....كان الموقف رهيبا بحق ,  عشرات المصابين يملأون طرقات الاستقبال على اسرة و تروليات او كراسي متحركة وضعت لمواجهة الظرف الطارىء , ...أم باكية جاءت تصرخ و تسألنى ابنى فين ...ابنى فين !! 
بينما ابنها  احد ضحايا الحادث الذين لقوا مصرعهم و تم نقله الى مشرحة المستشفى ,,,  شعرت برغبة فى البكاء للمشهد القاسي , و لكن كعادة المهنة لا وقت للعواطف فيها قبل ان تقوم بدورك و واجبك  ..... بدأت بالمشاركة مع الزملاء في الفحص الاكلينيكي السريع للحالات , لاختيار الحالات الاكثر احتياجا لعمل فحص الموجات فوق الصوتية – السونار-  (التى نسميها بالخطأ بالاشعه التلفزيونية ) , خلال دقائق تم انزال جهاز السونار الى ارض المعركة , و وضعناه في غرفة المعمل , و بدأ افراد التمريض فى نقل المرضي حتى نفحص الحالات ,  و فى خضم هذا الزحام و الموقف الرهيب لم يكن هناك مجال لضياع معلومات الفحص او تداخلها بين مريض و اخر مع كثرة الحالات , لذلك خطر ببالى سريعا -لأول مرة فى حياتى- ان اضطر لكتابة مختصر نتيجة الفحص على بطن المريض , حفاظا عليها من التداحل و الضياع , خاصة و ان بعض المرضي لم يكونوا فى وعيهم او نعرف اسماؤهم لحظة الفحص , فكان هذا الحل كنوع من ادارة الازمة و ما تقتضيه مصلحة المريض و ضرورة سرعة  انقاذه . 
العديد من الاطباء يقومون بكل ما يستطيعون به , حتى اطباء الاسنان شاركوا فى المواجهه تلبية لنداء الطوارىء , بينما تولى عدد من الصيادلة تزويد المستشفى بما ينقص من المستلزمات – و هى ليست بقليلة -  من صيدلياتهم الخاصة , عشرات المواطنين هرعوا متطوعين للتبرع بالدم  - رغم وصول سيارة التبرع متأخرة لتوجهها الى طهطا اولا و انشغال باقى سيارات التبرع فى سوهاج - ,  عدد من المواطنين تطوع  بكراتين المياه  و العصير  للمصابين  و العاملين , بينما تولى رجال القضاء و الشرطة دورهم فى جمع المعلومات عن الحادث و التحقيق فى اسبابه مع من تسمح حالته بالسؤال . 
لقد كانت ملحمة فعلية ابدى فيها الكثيرون انه رغم كل العيوب و السلبيات , يبقى هناك من الخير ما يدفع اولائك المتطوعين من كافة القطاعات ان يحاولوا تقديم ما يستطيعون به .... هدأت الامور نسبيا بتحويل الحالات الحرجة او التى تحتاج اشعات غير موجودة بالمستشفى , فاتصلت برئيس قسمي بمستشفى سوهاج الجامعى ا.د. محمد زاكي , لاستعلم عن الوضع لديهم , حيث ان المستشفى الجامعي دوما هى من ينال القسط الاكبر من الحالات الحرجة او التى تحتاج تدخلات جراحية خاصة و معقده ,  فعرفت منه ان عدد كبير من اطباء القسم و الاقسام المختلفة بالمستشفى يتولون التعامل مع الحالات المحولة اليهم , رغم مصادفة مأزق تعطل جهازي الاشعه المقطعية بالمستشفى فى هذا اليوم العصيب !!!
شعرت ان مهمتى قد انتهت , و لا يوجد ما يمكن لدي ان اقدمه ,  فشكرت الزملاء بمستشفى المراغة , وغادرت  فى هدوء عائدا الى منزلى , لاتابع باقى اخبار الحدث على النطاق الاوسع فى وسائل الاعلام  , و ما ان وصلت منزلى و شاهدت صور القطار المنكوب , الا و اعلنت عيناي رغبتها الملحة ان تذرف بعض الدموع ...فسمحت للقليل منها ان تنهمر , قبل ام اكفكفها و افكر ...... لماذا تحفر مثل هذه الحوادث و المزيد من  اولائك الضحايا , مزيدا من الاحزان فى قلوبنا كل عام ......لماذا تستمر مثل هذه الكوراث فى الحدوث !!!!
 
د. احمد مختار ابودهب  
27 مارس 2021