أثبتت الأحداث وسجل التاريخ، أن بعض التيارات الدينية الدعوية وكذلك الفكرية المعاصرة، مهما كان تسامحها ولينها واستخدامها لمفردات الحرية والحوار والرفق، فإنه تنقلب رأسا على عقب حينما تقترن بالسياسة ويتاح لدعاتها جزءا من الولاية والحكم والجاه والسلطان والتمكين.
لتكون النهاية التامة والانقلاب الخطير في حياة هذا التيار ورسالته وشعبيته بين الناس، لأن شيوخه الذين نالوا التمكين في الارض، يستخدمون العنف والقمع والبشاعة والوحشية في وأد المخالفين لهم والقضاء على خصومهم.
نعم يحدث هذا وينبئ به التاريخ ويشهد عليه، مهما كان حال هؤلاء الداعين وأخلاق هذا التيار، ناطقة بالحرية داعية إلى الحوار والرفق واللين، لأن للسلطان سحره الذي يقلب الولي شقي، ويحوله من السماحة إلى الشناعة.. ليكفر بكل ما كان ينادي به قديما.
وقد يترك حوله كل المردة والفسقة والمجرمين والخونة ويتسامح معهم، ولا يرى له عدوا يجب القضاء عليه إلا خصومه المخالفين لأفكاره واجتهاداته.
انظر مثلا للصوفية وهم من يعلنون دوما انهم أزهد الناس في الدنيا وأعفهم عن مباهجها وإعراضهم عن شهواتها، انظر إليهم حينما قربهم السلطان وساد مذهبهم وطريقهم وصار سمة عامة للحكم والدولة، ماذا صنعوا بأعدائهم وكيف كانت أخلاقهم؟
لقد كانوا على أقبح ما تكون صور القمع ضد الخصوم، فلا يمكن للتاريخ ابدا أن يجهل تحريضهم على الإمام ابن تيمية الذين تسببوا في عدد من المتاعب والمحاكمات التي واجهها في عصره، وقد حدثت هذه المحنة في فترات مختلفة شملت عهد أكثر من حاكم، وأبرزها في عهد السلطان المملوكي ركن الدين بيبرس الجاشنكير.. لقد اختلفوا معه في كثير من آرائه في مسائل العقيدة، والتصوف، وزيارة القبور، والاستغاثة، وغيرها من المسائل التي يرى أنها من البدع، والتي كانت تثير حفيظة الكثيرين منهم ورأوا فيها مساسًا بعقائدهم أو بمكانتهم، وقد أدت هذه الخلافات إلى إقامة مجالس للمناظرة والتحقيق، وفي بعض الأحيان إلى اعتقاله وسجنه.. ووشوا به عند السلطان وحرضوه عليه، مثل نصر المنجبي وابن مخلوف المالكي، وكانت التهم الموجهة إليه تتعلق بمسائل الاعتقاد ومذهبه السلفي.
وكان الصوفية كذلك في عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون رواء محنة أخرى للإمام الجليل، حيث تعرض ابن تيمية للاضطهاد والاعتقال أيضًا، ولم يقبلوا منه مجرد الحوار واحترام اختلافه معهم في مسائل الدين، حتى توفي رحمه الله في سجنه بقلعة دمشق في عهد هذا السلطان.
وانظر إلى المعتزلة كيف كانوا القمة في الدعوة للحرية والإيمان بالحوار ومجادلة الآخر بالعلم والعقل والحكمة، وقدموا خدمات عظيمة للإسلام حينما أخلصوا الدعوة، حتى تمكنوا وتغلبوا في عهد المأمون وصاروا وزراء ومستشارين وقضاة، فإذا بهم يتحولون إلى نار تأكل خصومهم، ويستغلون القرب من السلطان وركوب المناصب، لمحو كل من يخالفهم من على الأرض.. أرأيت ماذا فعلوا بأحمد بن حنبل، كيف قتلوا غيره من علماء الدين الرافضين للقول بقولهم والاعتقاد باعتقادهم، أرأيت كيف كانوا يحرضون المعتصم ومن بعده ضد مخالفهم، ويقول له أحدهم: اقتله يا أمير المؤمنين ودمه في رقبتي؟!
يقول شيخنا الدكتور محمد رجب البيومي: "وكنا نتمنى ألا يمر هؤلاء بهذا الدور الدموي العجيب، حتى يزاولوا نشاطهم العقلي دون أن يجدوا هذا الصدود الهائل من جمهور المسلمين، ولكنهم جنوا على أنفسهم جناية اليمة، كان خيرا للمسلمين ألا يدخل المعتزلة في أحضان الدولة، وأن يعيشوا كما عاشوا فى عهد المنصور وأول عهد المأمون ، فلو ساروا على هذا النهج لانتفع المسلمون من ذلك أكبر نفع ، ولتغير تاريخ الإسلام"
هكذا تتحول التيارات الدينية إلى مقاصل تذبح رؤوس خصومها إذا تشبثت بالسلطة، ومكن لها في الأرض..








































