تحدّث عن العزلة وسأضحك. تحدّثْ عن الوحدة وسأهزُ كتفيّ. ولكن إن أردتَ أن ترى العزلةَ متجسدةً في لحمٍ ودمٍ وعظامٍ ترتجف، وإن أردتَ أن تشتمَّ رائحةَ الوحدةِ وهي تفوحُ من أوراقٍ مجعدةٍ وحبرٍ جاف، فكان عليك أن تكونَ في مقعدي، في تلك الليلة، حينما صعدتْ إلى حياتي من بابِ العربةِ المعدنيّ لتغيّرَ تعريفَ الوحشةِ إلى الأبد.
كان ضبابٌ كثيفٌ، كأنه نفسُ المدينةِ الأخير، يلفُّ رصيفَ المحطةِ ببطءٍ قاتل. الأضواءُ الباهتةُ للمصابيحِ كانت تخترقُه بصعوبة، فتُشكلُ دوائرَ ضبابيةً ذهبيةٍ تذوبُ في الفراغ. هواءٌ باردٌ، رطبٌ، يحملُ رائحةَ الفحمِ القديمِ وزيتِ الآلاتِ ووجوهِ المسافرين. كان المشهدُ برمته يُشبهُ لوحةً مرسومةً بألوانِ الشتاءِ والحنين. وسطَ ذلك، كان القطارُ الرابضُ يشبهُ وحشاً معدنياً نائماً، هيكلُه الأسودُ يتصببُ عرقاً من قطراتِ الندى، ينتظرُ اللحظةَ التي ينطلقُ فيها ليفترسَ المسافاتِ ويطحنَها تحتَ عجلاتِه الحديدية.
صعدتُ إلى العربة، وأقدامي ثقيلةٌ كأنما تسحبُها سلاسلُ من ذاكرةٍ متعبة. كان في صدري ثقلٌ غامض، لا علاقةَ له بحقيبةِ السفرِ الخفيفةِ التي أحملها، بل كان أشبهَ بوزنِ مدنٍ بأكملها هجرتُها ولم تستطعْ أن تهجرني. جلستُ قربَ النافذة، حيثُ يلتقي زجاجُها الباردُ بوجنتي الحارَّتين. كانت انعكاساتُ وجهي الباهت تسبحُ في الفراغِ الخارجي، تتداخلُ مع أشباحِ الأشجارِ والأعمدةِ الطاردة. بدأتُ أتأملُ الوجوهَ المتعاقبةَ التي تملأُ المقاعد، كلٌّ يحملُ عالماً مختلِفاً من الهمسِ الداخلي: رجلٌ عجوزٌ يقرأُ جريدةً بهدوءٍ متكلف، امرأةٌ شابةٌ تحتضنُ طفلاً نائماً بينما عيناها تقرأنَ قلقَ المستقبل، شابٌ يهزُّ ركبتهُ باضطرابٍ وكأنه يحاولُ الهربَ من مقعده.
ثم جاءتْ هي.
لم تأتِ كباقي الركاب. مشيتُها كانت قصيدةً منكسرةً بلا موسيقى. كانت في ريعانِ الشباب، بشرتُها الشاحبةُ تُخفي تحتَها نضارةً لم تُسمَحْ لها بالازدهار. تحملُ حقيبةَ يدٍ من جلدٍ مهترئ، أكلَ الزمنُ من حوافِّها حتى صارتْ تحكي قصةَ السنين دونَ حاجةٍ إلى كلام. وتحت إبطها، مجموعةٌ من الدفاترِ المبعثرة، بعضُها ملفوفٌ بخيطٍ رفيع، وأوراقٌ مجعدةٌ تبرزُ من بين طياتها كأجنحةِ فراشاتٍ ميتة. كانت تمشي ببطءٍ متعمد، كأنها تخشى أن ينهارَ الكونُ إذا أسرعتْ، أو كأنها تحملُ فوقَ كتفيها قدراً من الرصاصِ المصهور. جلستْ في المقعدِ المقابل لي، مباشرةً، وكأنما القدرُ أرادَني شاهداً على فصلٍ من فصولِ انهيارها الصامت.
لم تكنْ جلسةُ الاستسلامِ تلك جلسةَ شابّةٍ في مقتبلِ العمر. لا فضولَ في عينيها، ولا ترقبَ لرحلة. لم تلتفتْ لترتيبِ مقعدها أو تبحثْ عن حزامِ الأمان. ببساطةٍ، ألقتْ بنفسها على المقعدِ ، ووضعتِ الدفاترَ بجانبها كما تضعُ أمٌّ رضيعةً مريضة. كانت كتلةً من الصمتِ المشحونِ بالعواصف. تنهيدةٌ طويلةٌ، مكتومةٌ، انطلقتْ من أعماقِ صدرها فجأة، فكسرتْ هدوءَ العربةِ المليءَ بهمساتِ المحركاتِ وبكاءِ القضبان. كان صوتُ التنهيدةِ غريباً، ملموساً كقطعةِ قماشٍ تتمزقُ في صمتِ الليل.
تأملتُها بعينينِ لم تعودا تنتميانِ لي وحدي، بل لعشرِ سنواتٍ من محاولةِ كتابةِ العالمِ في كلمات. كنتُ أقرأُها كما أقرأُ مخطوطةً نادرة، مكتوبةً بخطٍّ معقدٍ على ورقٍ رقيقٍ يوشكُ على التمزق. كانت عيناها واسعتين، بلونِ قهوةٍ ثقيلةٍ ممزوجةٍ بحزنٍ أخضر. لكن اللونَ لم يكنَ هو المهم، بل ذلك العمقُ السحيقُ الذي بدا فيهما. كان ثمة محيطٌ من التعبِ يرتجُّ تحتَ السطح. لم يكنْ تعبَ سهرةٍ أو عمل، بل كان إرهاقاً وجودياً، كمن يحملُ جرحَ العالمِ في أحشائه ولا يعرفُ كيف يضمده. كانت هالاتٌ سوداء كثيفةٌ تحيطُ بتلك العينين، كإطارٍ من حدادٍ على شيءٍ لم يمتْ بعد، لكنه يحتضرُ كلَّ يوم.
وكانتْ يداها. يدانِ رقيقتان، عاريتان من أي حليّ. أناملُ طويلةٌ، أنيقةٌ في بنيتها رغم الخشونةِ التي لحقت بها. وكان عليها البصمةُ التي جعلتْ قلبي يتوقفُ للحظة: بقعٌ سوداءٌ من الحبرِ الجافِّ تلطخُ السطحَ الداخليَّ للأصابعِ وحولَ الأظافر. حبرٌ غائرٌ في المسام، كوشمٍ أزليٍّ لا يزول. لم تكن بقعاً عابرةً من قلمٍ تسرَّب، بل كانت علامةَ مهنة، ندوبَ معركةٍ يوميةٍ مع الورقِ الأبيض. يدا كاتبةٍ تحاربُ بالكلمات.
لاحظتْ نظري المتأمل. رفعتْ رأسها فجأة، والتقتْ عيناها بعينيَّ. كانت اللحظةُ قصيرةً، مدتها ثانيتانِ على الأكثر، لكنهما ثانيتانِ حملتا عمراً من الكلامِ المختنق. في أعماقِ عينيها، اشتعلَ وميضٌ غريبٌ. لم يكن بريقَ التعرفِ أو الفضول، بل كان وميضَ انكشافٍ مرعب. كأن نافذةً في روحها انفتحتْ فجأةً على مصراعيها ثم أُغلقتْ بعنف. كان فيه استغاثةٌ صامتةٌ، وإشارةٌ من غريقٍ يرى قاربَ إنقاذٍ بعيداً، ويعرفُ أن الأمواجَ أقوى من ذراعيه. ثم حجبتْ ذلك كله بسرعة، وأنزلتْ رأسها، وراحتْ تبحثُ في حقيبتها الهزيلةِ عن شيءٍ غيرِ موجود.
بعدَ ذلك، بدأ رقصُ التفاصيلِ الصغيرةِ المميتة. كلُّ حركةٍ منها كانتْ جملةً في سرديتِها الخاصة. حينَ حاولتْ ترتيبَ الأوراقِ المبعثرة، كانت أصابعُها ترتجفُ رعشةً خفيفةً لا تهدأ. كانت تمسكُ الورقةَ كما تمسكُ عصفوراً جريحاً، تخشى أن تؤذيَه أكثر. وكثيراً ما كانتْ تسرحُ بعيداً. كانت عيناها تحدقانِ في الفراغِ خارجَ النافذة، لكنهما لم تريا المناظرَ الخاطفةَ من القرى والحقول. كانتا ترحلانِ إلى عوالمَ أخرى، إلى ذكرياتٍ أو أحلامٍ أو كوابيسَ لا أعرفها. كان الشرودُ يلفُّها كغيمةٍ خاصة، تعزلُها عن ضجيجِ القطارِ وزفراتِه وعن وجودنا جميعاً. وفي إحدى لحظاتِ الشرودِ تلك، رأيتُ شفتيها تتحركانِ قليلاً، كمن يهمسُ بكلمةٍ أو يرددُ جملةً من داخلِه. كانت تكتبُ، حتى من دون قلم.
مرتْ ساعاتُ الرحلةِ في صمتٍ ثقيل. حاولتُ مرةً أن أبتسمَ لها ابتسامةً خفيفةً، عابرة، حين التقتْ عيناها بي مصادفةً. ردتْ بنظرةٍ فارغةٍ لا تعرفُ معنى الابتسام، ثم عادتْ إلى عالمها. كان ثمة جدارٌ زجاجيٌّ سميكٌ بينها وبينَ الجميع. كنتُ أسمعُ، خيالياً، صوتَ أنفاسها المضطربةِ تتسربُ من ذلك الجدار. كانت أنفاساً قصيرةً، متقطعةً، كأنها تصعدُ درجاً لا نهايةَ له.
كانت هذه التفاصيلُ تقتلني. أنا، الذي جعلتُ من ملاحظةِ الناسِ مهنةً وهوايةً وعقاباً، كنتُ أعرفُ أنني أمامَ روحٍ منهوكة. ليست المنهوكةَ العادية، بل المنهوكةَ الراقيةَ التي ترفضُ أن تنهارَ علناً، فتحولُ انهيارَها إلى فنٍّ صامت. كان كلُّ شيءٍ فيها يحكي قصة: طريقةُ شدِّها لوشاحها البسيط حولَ عنقها كأنه درعٌ واقٍ، الطريقةُ التي تضمُّ بها حقيبتَها إلى صدرها أثناءَ نومِها القلقِ لعدةِ دقائق، حتى نظراتُها الخاطفةُ نحو الركابِ الآخرين، التي كانت خاليةً من الحكمِ أو المقارنة، بل كانت مليئةً بتساؤلٍ وحيد: "كيف تستطيعونَ أن تعيشوا بهذه البساطة؟"
توقفتْ عند محطةٍ صغيرةٍ في منتصفِ الطريق. نزلَ وبعضُ الركابِ ليشتروا الماءَ أو الفاكهة. بقيتْ هي جالسةً في مكانها، تحدقُ في الناسِ على الرصيفِ بعينينِ ساكنتين. رأيتُ بائعَ جرائدَ عجوزاً يضحكُ مع زبون، وطفلينِ يتشاجرانِ على لعبة، وامرأةً تضحكُ في هاتفها. كانت تنظرُ إليهم كما ينظرُ عالمُ أحياءٍ إلى كائناتٍ تحتَ المجهر، بفضولٍ باردٍ مختلطٍ بالحيرة. كان سؤالها غيرُ الملفوظِ يعلو بيننا: "كيفَ لكم أن تضحكوا، أن تتشاجروا، أن تحيَوا، بينما العالمُ من داخلي ينزفُ بهذا الصمت؟"
أرادتْ شيئاً ما. فتحتْ أحدَ الدفاتر، وأخرجتْ قلماً جافاً من حواشي الحقيبة. حاولتْ أن تكتب. وضعتْ رأسَ القلمِ على الورقة، وضغطتْ. لكنْ لا كلماتٍ تأتي. بقيتْ ساكنةً لدقائق، والقلمُ في يدها كحربةٍ ثقيلة. ثم، ببطء، بدأتْ تكتب. لم أكنْ أرى ما تكتبه، لكنني رأيتْ تقلصاتِ وجهها. كانت كلُّ كلمةٍ تكلفُها جهداً جسدياً. كانت حاجباها يتقاربان، وشفتاها تنضمان، وعضلاتُ فكِّها تتحرك. كانت تكتبُ بنزيفٍ، لا بحبر. وأخيراً، توقفتْ، وأطبقتِ الدفترَ بتعب، وكأنها أنهتْ جولةً في حلبةِ مصارعة.
أقتربَ الوصول. بدأ التوترُ يعلو في العربة، ونسمةُ الوجهةِ الأخيرةِ تثيرُ الركاب. هي، على العكس، ازدادتْ سكوناً. بدتْ كمن يستعدُّ لمواجهةٍ لا يرغبُ فيها. رتبتْ أوراقَها بهدوءٍ جنائزي، وأعادتِ الأقلامَ إلى مكانها، وربطتْ الحقيبةَ بعنايةٍ فائقة. كلُّ حركةٍ كانت وداعاً لشيءٍ ما.
ثم دوّتِ الصافرةُ الأخيرةُ، ذلك الصوتُ المعدنيُّ الحادُّ الذي يقطعُ الخيوطَ بين الأمكنةِ والأزمنة. توقفَ القطارُ بهزةٍ عنيفة، ثم بحشرجةٍ طويلةٍ كأنها أنين. وقفتْ هي. وقفتْ ببطءٍ كأنها تخرجُ من قبر. التقطتْ كلَّ ممتلكاتِها الهزيلة، وحملتها بين ذراعيها. لم تلتفتْ يميناً أو شمالاً. لم تبحثْ عن ناظرٍ تتبادلُ معه نظرةَ الوداع. مشتْ باتجاهِ البابِ بنفسِ المشيةِ الواعيةِ الثقيلةِ التي صعدتْ بها. كانت ظهرها يحكي قصةَ كلِّ من يحملُ أعباءً لا يرى أحدٌ حجمَها.
نزلتْ عن العربةِ وذابتْ في الحشدِ المتناثرِ على رصيفِ المحطةِ الجديدة. كان ضبابٌ هناك أيضاً، لكنه أقلُّ كثافة. راقبتُ طيفَها الرماديَّ وهو يبتعد، يضيق، ثم يختفي خلفَ عمودٍ إسمنتي، كظلِّ حرفٍ مُحى من على صفحة.
بقيتُ جالساً في مقعدي، بينما اندفعَ الركابُ للخروج. بدا المقعدُ الذي كانت تشغلهُ فارغاً بشكلٍ مُربك، كأنه يحتفظُ بشكلِ جسدها الغائب. حتى الهواءُ حولَه بدا مختلفاً، ثقيلاً ببقايا الشجنِ الذي تركته. نهضتُ أخيراً، وحملتُ حقيبتي الخفيفةَ التي صارتْ فجأةً ثقيلةً بكلِّ الأسئلةِ التي لم تُسأل، والعزاءاتِ التي لم تُقدَّم.
مشيتُ في الاتجاهِ المعاكسِ لاتجاهها. وفي جيبي، بقلمي الذي لم أُخرجه طوالَ الرحلة، حاولتُ أن أكتبَ شيئاً، أيَّ شيء، عن تلك الوجوهِ التي تمرُّ ثم تختفي. لكن الورقةَ بقيتْ بيضاء. فكم من الوجعِ يلزمُ إنساناً ليُخرِجَ كلمةً واحدةً حقيقيةً من أعماقه؟ وكم من المراقبةِ والصمتِ نتحملهُ لنقرأَ فصولاً من حكاياتِ الغرباء، ثم نُغادرَ ونحنُ نعلمُ أننا تركنا كتباً كاملةً دونَ أن نتصفحَ سوى عنوانها؟ رحلتْ هي، ورحلتَ معها قطعةٌ مني. ربما كانت كاتبة. وربما كنتُ أنا مجردُ جملةٍ عابرةٍ في دفترِ حياتها الذي تكتبُه بنزيفِ الذاكرةِ، وستمحوني الضبابةُ من ذاكرتها كما محتْ جسدَها من أمامي. لكن ذلك الوميضَ في عينيها، ذلك الغريقَ الذي رأى اليابسةَ واختارَ ألا يسبحَ نحوها، سيبقى معي. سيبقى السؤالُ الأبدي: من يُنقذُ الكاتبَ عندما يغرقُ في بحورِ نفسِه؟








































