تحت سقفٍ ينزُّ عتمةً، كانت الساعة الجدارية تقضمُ الصمتَ بأسنانٍ معدنيةٍ صدئة. قبالةَ المرآةِ المشروخة، جلسَ منصورٌ؛ كانت ملامحهُ خريطةً من الأخاديدِ الوعرة، نحتتها فأسُ الخيباتِ المتلاحقة.
أمسك بموسِ الحلاقة؛ لمعةُ المعدنِ الباردةِ استدعت قشعريرةً قديمةً سكنت مسامَّه. غمسَ الفرشاةَ في رغوةٍ بيضاء ككفنٍ طريّ، ثم طمسَ بها وجهه. غابَ الفمُ، تلاشت الذقنُ، ولم يتبقَّ سوى عينينِ غائرتينِ تشبهان بئرينِ جفَّ ماؤهما، وبقي في قاعهما وحلُ الذكريات.
بدأ النصلُ رحلتهُ. حفيفُ المعدنِ على الجلدِ اليابسِ يقطعُ سكونَ الغرفة. قطرةُ دمٍ قانيةٍ تمردت، سالت كياقوتةٍ وحيدةٍ وسط بياضِ الرغوة. لم يرتجف؛ كان يحدقُ في تلك النقطةِ الحمراء، يرى فيها وجوهاً عبرت، وأرضاً شقَّ صدرها يوماً، ورائحةَ طميٍ مخمورةً بالمطر.
توقفَ الإيقاعُ فجأةً.
دورانُ مفتاحٍ في القفل، حركةٌ ناعمةٌ أعقبها سكونٌ مريب. مسحَ منصورٌ جزءاً من المرآةِ بكفهِ المرتجفة؛ تلاشت ملامحه المتغضنة، وانعكس وجهُ شابٍ يافع، عيناهُ تقدحانِ بطموحٍ مفترسٍ كأنهما لم تعرفا الانكسار قط. سقطَ الموسُ من يده، محدثاً رنيناً حاداً شقَّ جوفَ المكان. انحنى ليلتقطه، لكنَّ ظهرهُ استحالَ خشباً يابساً، وعجزت يده عن ملامسةِ برودةِ المعدنِ الذي لم يعد ينتمي إليه.
انفتحَ الباب. دلفت فتاةٌ تحملُ باقةَ زهورٍ يكسوها الذبول، جالت بنظرها في أركانِ الغرفةِ الخاوية، وضعت الزهورَ على الطاولةِ المغبرة، والتفتت نحو النافذةِ المغلقةِ هامسةً:
"عشرُ سنواتٍ يا أبي.. ولا يزال صدى نصلِكَ يخدشُ وجهَ هذا الفراغ".
خلف زجاجِ النافذة، لمحَ منصورٌ ظلَّ رجلٍ يحملُ فأسَه، يمضي متخففاً من ثقلِ الأرض، دون أن يتركَ وراءهُ أثراً لقدم.








































