(تجليات أنثى تبحث عن ذاتها)
قراءة بقلم/ مها الخواجه
في المجموعة القصصية (ألوان)
للكاتبة/ جيهان عوض البنا
والصادرة عن الهيئة العامة لقصور الثقافة
المجموعة القصصية ألوان هي الإصدار الرابع للكاتبة بعد روايتين ومجموعة قصصية أولى .. ضمت المجموعة بين دفتيها سبع وعشرين قصة، حيث تدور القصص في فلك إنساني واحد، وإن تنوعت شخوصها ومواقفها، إذ تصب جميعها في تناول وجع المرأة الداخلي، وتمثلات القهر الصامت، ومحاولات التحرر من سلطة الآخر، سواء أكان هذا الآخر زوجاً، مجتمعاً، أو حتى فكرة مترسخة .. فكل قصة تفتح نافذة على معاناة خفية، لا تتبدى إلا لحظة الانفجار، أو حين تنسحب الذات إلى عزلتها طواعية، فتبدأ الكتابة بوحًا، وتصبح اللغة صوتًا داخليًّا يفضح ما عجز اللسان عن قوله.
وكما يقول يوسف إدريس: "القصة القصيرة كالرصاصة، يجب أن تتجه نحو هدفها مباشرة"، فقد التزمت الكاتبة بتلك المقولة في معظم نصوصها، حيث اتسمت القصص بالتكثيف والترميز غير المبهم، وابتعدت عن المباشرة، كي تمنح القارئ مساحة للتأويل والتفاعل العقلي مع النص.
سأبدأ من عنوان المجموعة (ألوان)
الذي يجعلنا نقف أمام هذا الاسم ونتساءل عن ماهية تلك الألوان؟
ثم نتركه مرغمين، لنعاود الرجوع إليه مرة بعد مرة عندما نقرأ القصص، ونواجه التساؤل مرة أخرى..
أهي ألون من الحالات؟
أم ألوان من العذابات التي مرت بها هؤلاء النسوة في الحكايات؟
أم ألوان من العنف الذي يمارس على أجسادهن، ويرمز لها بتلك البقع الزرقاء والحمراء والبنفسجية التي تتكون جرائه؟..
وننتظر أن تجيبنا بطلات القصص عما حدث معهن..
ثانيا: الإهداء:
وهو كمقدمة تؤسس لما هو آت..
والتي ضمنتها الكاتبة رسالة موجهة حيث قالت:
- إلى الذين ركلوا لحظات جنونهم المشروعة خشية ضياع مهابتهم، سيضيع العمر وأنتم لم تقتنصوا لحظات من السعادة الحقيقية.
- إلى الذين رأوا أن الجمود وقار، وأن العبوس جلال، ألا فاعلموا أنه حرم على النار كل هين لين، قريب من الناس.
- إلى قساة القلوب كالحجارة أو أشد، أما علمتم أن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار تروي البشر والشجر.
أما عن اللغة والأسلوب:
أقول بدايةً: اللغة عند الكاتبة جيهان البنا لها سمة عاطفية دالة، ذات بعد شعري خافت، تتكئ فيها على التصوير الحسي والنفسي أكثر من السرد التقليدي.
فهي تميل إلى استخدام التكرار الفني، وخاصة في توظيف الألفاظ التعبيرية، واعتماد السرد الذاتي الداخلي بضمير المتكلم، مما يمنح القارئ اقترابًا حميمًا من وجدان الشخصية.
كما برعت في بناء مفارقات شعورية: فبين الألم والدفء، وبين القهر والمقاومة، تنسج سردًا لا يخلو من التوتر الرقيق، والدهشة الإنسانية البسيطة.
ننتقل للزمن في القصص، والذي وجدته حاضرًا بقوة، فهو لا يسير في خط واحد، بل هناك حركة بين الأزمنة، من الطفولة إلى الحاضر، ومن الماضي إلى الآني، ومن الحلم إلى اليقظة، مما يعكس التشوش الشعوري لدى البطلات .. فهو يميل بقوة إلى الاستبطان، والاسترجاع، وتداعي الذاكرة..
كما اتسمت القصص في المجموعة بوحدة الأسلوب، وتنوع الثيمات، وتكامل الرؤى عبر تنوع الحكايات .. فجميعها تنتمي إلى تيار السرد النفسي الوجداني، حيث تنسج الذات الأنثوية الساردة علاقتها بالعالم من خلال التفاصيل اليومية، والذاكرة، والرموز الحسية، في بناء سردي غير تقليدي يقترب من كتابة الاعترافات أو "السيرة الذاتية المتخيلة".
أما عن البناء الفني:
فبنية القصص مفتوحة ومرنة، لا ترتكز على حبكة بالمعنى التقليدي، بل تعتمد على التتابع الشعوري، وتدفق الذاكرة، واستدعاء لحظات من الماضي لتتقاطع مع الحاضر.
فقصص المجموعة أقرب إلى مقاطع وجدانية تتوالى في سلاسة، دون الحاجة إلى تصعيد درامي حاد.
كما أن النهايات ذكية وبليغة، لا تحيلنا إلى استدعاء إجابات، لكنها تفتح الوجدان على تأملاتٍ جديدة والبحث عن حلول..
لنجد مثلا:
- في قصة "ريشة في هوا" تنتهي الطفلة في أحضان الذاكرة، لتشير إلى الدور الوراثي للمعاناة، وكأن القصة تدور في دائرة.
- وفي قصة "أبيض وأسود" تنكسر القوالب الاجتماعية، لكن الثمن هو قلب في صندوق، ونزيف لم يره أحد.
- أما قصة "ورقصت الشجرة" فتختم على صورة أسطورية تربط بين البراءة، والعقاب، والطبيعة الحية التي تشهد وتغفر.
الرمزية والدلالة في قصص المجموعة:
في قصة "ريشة في هوا"
"الصمت" رمز أساسي يتكرر، يعبر عن الكبت والقمع، لكنه أيضًا مساحة تأمل واختباء، الصمت هنا ليس خنوعًا، بل هو نوع من اللغة البديلة، وسلاح يتآكل مع الزمن .. إذ الغناء ليس مجرد صوت، بل فعل مقاومة، وحضور أنثوي رقيق في مواجهة عنف ذكوري فظّ، فالأغنية هنا تشير إلى التخفف والخفة، لكنها هنا ليست دندنة أم، بل مرآة للوزن الحقيقي للذات، حين تتخفف من ثقل إرضاء الآخرين .. والطفلة التي تغني هي صوت الذات الأولى، البراءة، وربما الأمل المقموع .. وأرى أن استخدام الأغنية "الدنيا ريشة في هوا" ليس مجرد توظيف جمالي، بل هو تعبير عن فلسفة الكاتبة في عبور الحياة كشيء هش، زائل، لكنه جميل حين نغنيه.
وفي قصة "أبيض وأسود"
"القلب" يأخذ بعدًا ماديًا حين انتزاعه، ليشير إلى التضحية بالجوهر في سبيل مسايرة الخارج .. والصندوق الذي تواري فيه قلبها رمز للتخلي عن الرقة الأنثوية لصالح الصلابة.
وفي قصة "ورقصت الشجرة"
"الشجرة" رمز للبراءة، وللتدين الفطري، وللطبيعة المتعاطفة مع الإنسان النقي، وقد أصبحت مخلوقًا خارقًا يعكس قداسة الشيخ زياد، فالخيال هنا لا يخضع لقوانين الواقع، بل يتسلل عبر براءة الطفولة، ليطرح أسئلة حول الإيمان، واليقين، والسخرية من تلك البراءة .. الشجرة التي تصلي وتبكي وترقص تتجاوز كونها شجرة لتصير كائنًا سماويًا، بينما البشر يتضاءلون أمام عنفهم وجهلهم.
في قصة "دخان"
"الدخان" ليس فقط دخان العود، بل هو دخان خيبة، حزن، ذوبان، إذ يتحول من طقس احتفالي إلى طقس فاجع، وتجسيد للألم القابع خلف الزينة، إنه حجاب كثيف بين الطفلة وأمها، بين الحقيقة والوهم، بين الرجاء والخذلان، والمرأة المرعبة هي قناع الحزن، هي الحقيقة المخيفة التي تتجلى بعد الكبت الطويل، والطفلة هي الشاهدة الوحيدة، العارفة، الحافظة للسر.
* في النهاية
أرى أن في كل قصة، ثمة رجل إما غائب وتوحي به القسوة التي ترشح بها الحكايات أو مؤذٍ حاضر بجسده وفعله .. أمثلتهم: الزوج القاسي، الأب المختفي، الجار الذي يشتم، السائق المتحرش، المتنمر .. فالسرد ينحاز بوضوح إلى الذات الأنثوية الجريحة، ويجعل من الرجل إما شبحًا غائبًا أو سلطة قاهرة.
ورغم أن القصص تبدو شديدة الخصوصية والأنثوية، إلا أن القارئ المتأمل يدرك أن هذه ليست مجرد سرديات نسوية، بل سرديات وجودية عن القهر الإنساني وغياب العدالة، عن فقدان الدفء في عالم لا يعترف بالضعفاء.
نادي أدب قصر ثقافة دمياط








































