arhery heros center logo v2

           من منصة تاميكوم 

آخر المواضيع

  • بعض معاني كلمات القرآن الكريم التي تفهم في العامية بشكل مختلف | 24-02-2024
  • مراحل الظالم في القرآن الكريم | 24-02-2024
  • كل ما تريد أن تعرفه عن مشروع رأس الحكمة | 23-02-2024
  • العملات المصرية عبر التاريخ | 23-02-2024
  • قصيدة قد كفاني علم ربي من سؤالي واختياري .. | 23-02-2024
  • أدعية من المصحف الشريف  | 16-02-2024
  • انشاء تحالف البرمجيات مفتوحة المصدر , و جوملا تنضم له مع وورد بريس و دروبال و آخرين | 16-02-2024
  • ماهي اهم وظائف عالم الطيران.؟؟ | 15-02-2024
  • أسماء اللكمات والركلات فى الكيك بوكسينج (Kick boxing) باللغة الإنجليزيه وكيفية نطقها باللغة العربيه | 12-02-2024
  • الفرق بين لفظ إمرأة و زوجة و صاحبة في القرآن الكريم | 16-01-2024
  • رموز النظام العالمي لتفادي الارتباك في نطق اللغة الإنجليزية | 15-01-2024
  • مركبات الياف الكربون (CFRP) | 14-01-2024
  • حل ثلاث مشكلات : الشهوة ، الشقاء و الاكتئاب | 30-12-2023
  • الاعجاز اللغوي في تبشير سيدنا عيسي بأحمد و ليس بمحمد | 29-12-2023
  • حل الألغاز الفاقعة للمرارة | 28-12-2023
  • ألغاز فاقعة للمرارة | 24-12-2023
  • مُفردات قرآنية قد يَشْكُلُ على البعض فهمها | 19-12-2023
  • دعاء الملك "إخناتون | 16-12-2023
  • نقد ادبي بقلم الدكتور عبد الحافظ بخيت لرواية شام لاجئة اسطونت قلبي | 15-12-2023
  • كيف تغلق خاصية : Disable PHP output buffering للموقع الالكتروني | 06-12-2023
  1. الرئيسية
  2. بريد الجمعة
  3. بريد الجمعة يكتبه: أحمد البرى .. الحب المستحيل!!

 

أنا واحدة ممن يطلقون عليهم «المعاقين» أو «ذوى الاحتياجات الخاصة»، عمرى ثمانية وعشرون عاما، وقد نشأت بأسوان فى أسرة بسيطة لأب يعمل موظفا فى السجل المدني، وأم ربة بيت كرست حياتها لتربية أولادها الخمسة، ثلاثة أولاد وبنتان، وأنا ترتيبى الثالثة بينهم، وولدت معاقة تماماً مثل شقيقى الأكبر الذى لم يطل به الوقت، ومات بعد فترة قصيرة من ولادته، ولما جئت إلى الدنيا ظنوا جميعاً أننى سألحق به، فساقاي، وذراعاى ملتوية، وتركيبة جسمى لا تساعدنى على النمو بشكل طبيعي، أما وجهى وعقلى ولساني، فلا تختلف عن الفتاة العادية، وظلوا يترقبون حالتي، وأنا أكبر مع الأيام، فسلموا أمرهم بأننى سأحيا على هذا الوضع إلى أن يأتى أجلى المحتوم، وأحسست بأننى عالة على الجميع، وأن ليلى كنهاري، لا أغادر المنزل، وأنتظر من يأتينى بالطعام والشراب، أو يساعدنى على قضاء الحاجة.. شعور مؤلم وصعب لأى إنسان يتعرض لهذه المحنة، وليس بيده حيلة، والحقيقة أن أبى وأمى لم يقصرا معى فى أى شيء، وحملانى كثيراً إلى المستشفيات والأطباء عسى أن يجدا وسيلة لتحسين حالتي، وأجريت عدة جراحات فى ذراعىّ، فأصبحت أحركهما بصعوبة وشيئا فشيئا تحسنت حالتهما بدرجة متوسطة، ورفضت «الاستسلام»، وأصررت على تعلم القراءة والكتابة، فالتحقت بفصول «محو الأمية» القريبة من المنزل وتمكنت من الحصول على الشهادة خلال فترة وجيزة، وأصبحت أقرأ الصحف، والكتب، حينما يخرج الجميع ويتركوننى وحدي، وكبرت، وتزايدت أحلامي، ولكن كيف لمثلى أن تحلم كغيرها من البنات.. فكل من حولى استغربوا أن أتطلع إلى حياة طبيعية وأنا على هذه الحال، لكن إيمانى بالله ويقينى فى أننى لست أقل منهم ذكاء ولا قدرة على التفكير، وأتمتع بشخصية مرحة، ولا أعرف اليأس.. هذه العوامل جعلتنى أفكر بطريقة أخري، وأتحدى الاعاقة الجسدية، فأنشأت حسابا على «الفيس بوك»، وراسلت العديد من الأطباء المشهورين فى جراحة العظام. واستجاب لى أحدهم بإجراء جراحة جديدة فى ذراعىّ طلبا لمزيد من التحسن فيهما، وطلبت من أبوى أن أنتقل إلى القاهرة لبعض الوقت، وأقيم لدى أختى المتزوجة من رجل يعمل حارساً بإحدى العمارات، فرفض أبى فى البداية الفكرة من أساسها، وقال لى إنه فعل المستحيل من أجلي، ولن يكون مطمئنا عليّ فى العاصمة حيث يوجد عالم لم أتعود عليه، ولا يناسبنى بأى حال من الأحوال، فبكيت بين يديه كثيراً، ورجوته أن يساعدنى فى تلبية طلبى عسى الله أن يكتب لى الشفاء وأمام إصرارى اصطحبنى إلى القاهرة، وقال لزوج أختى أننى سأنزل عليهم ضيفة إلى حين إجراء الفحوص الطبية، وإجراء مايلزم لى من جراحات، ورحبت أختى بي، بينما تحفظ زوجها على أحلامى التى رآها سراباً، بل وقال لى «بلاش أحلامك تروح بعيد، علشان ماتتعبيش نفسيا»، ولم ألتفت لكلامه فلقد جئت من أجل العلاج، فإذا كان لى نصيب فيه، فسوف تتحسن حالتى الجسدية، وإن لم ينجح فيكفينى إننى حاولت وطرقت كل الأبواب، وبعد أيام زرت الطبيب، والحقيقة أننى وجدته كما تخيلته بأخلاقه النبيلة، وشهامته، فأجرى لى الجراحة، وزاد تحسن ذراعىّ.

 

وكانت جلستى المفضلة بجوار أختى أمام باب العمارة التى يعمل زوجها حارساً لها، حيث أرى الناس يتحركون فى كل اتجاه، وأعايش زحام السيارات، وأشاهد طلبة وطالبات الجامعة المواجهة للعمارة، وقد علت الفرحة وجوههم، ودار فى ذهنى السؤال الذى راودنى كثيرا: هل من الممكن أن أكون عروساً فى يوم من الأيام؟.. وهل أجد من يحبنى وأنا بهذه الحال؟.. بالطبع لا.. إنه «الحب المستحيل» لمن تعانى ظروفي، فلا يعقل أن يغامر أى شاب حتى ولو كان مثلى من ذوى الاحتياجات الخاصة بالارتباط بفتاة لا تستطيع النهوض من مكانها أو «قعيدة» بمعنى أصح؟.. وكنت ألمح نظرات الحزن والأسى فى عينى أختى وهى تحاول أن تخفى دموعها عني، كلما حدثتها عن الحب والزواج، وإذا فاتحتها فى أمر من هذه الأمور تغير الموضوع حتى لا تحرجنى بكلمة، أو تلفت نظرى إلى أشياء أخرى، فأتجاهل سؤالى إليها، وأكتم أحاسيسى التى لا يشعر بها غيرى!

 

وذات يوم مر أمامنا شاب، وفى أثناء عبوره الطريق وقع نظره عليّ، وعندما انتقل الى الجهة الأخرى وقف مكانه، وأطال النظر إلىّ، واستغربت ذلك، وقلت لأختي، إنه يركز عينيه عليّ، فماذا يريد مني؟.. وهل شكلى عجيب لهذه الدرجة حتى يفعل ذلك؟.. فطلبت أختى منى أن أتجاهله، وقالت: «هناك كتير من النوعية دي»، وبعدها غاب عدة ساعات، وفى طريق عودته، كرر الوقفة نفسها، ثم عبر الطريق ناحية العمارة، وجاءنى ومد يده ببضعة جنيهات، فسألته، ماهذا؟ فقال «دى حاجة بسيطة علشانك»، فأفهمته أننى لا أقبل شيئاً من أحد، وأننى جئت من محافظتى لكى أتلقى العلاج، وليس التسول، فاندهش من ردى عليه، وجرأتى فى الحديث معه، واعتذر عما سببه لى من ضيق وحرج، فرددت عليه بأننى أحيى نبله وإنسانيته، وبأن هناك من تقبل صدقته، ودعوت له بالتوفيق، فانصرف الشاب ذاهباً إلى مقصده، ونسيت الموقف كله، فقد اعتدته من كثيرين حاولوا أن يقدموا لى المساعدة لكنى رفضتها ليس لأننى غنية أو مرتاحة مادياً، ولكن لأننى لا أريد شفقة من أحد، وحينما أتلقى مالا يكون مقابل عمل، وليس عن طريق التسول!

 

وفى اليوم التالى كرر الوقفة نفسها، فلم أجد بدا من أن أدخل إلى الحجرة التى تسكن فيها أختى حيث دفعتنى على الكرسى المتحرك إلى العمارة، وظللت بها إلى أن اختفى من المكان، وغاب يومين ثم جاء إليّ مباشرة، وقال لى إنه يريد أن يتزوجني، فتدخلت أختى على الفور وردت عليه بكلام حاد بأن ما يفكر فيه هو المستحيل بعينه، وقالت له «ابعد عن طريقنا» فأكد لها أنه يرغب فى الزواج مني، بحالتى الصحية، وأنه فى كامل وعيه، فنادت أختى على زوجها من مكان قريب كان موجودا به، وجلس الاثنان أمام العمارة بجوارنا، وقال له الشاب: إنه من عائلة معروفة فى سوهاج وأن له ثلاثة أشقاء «ولدان وبنت» وأنهم تلقوا جميعا تعليما عاليا، أما هو فقد حصل على دبلوم الطباعة، وعمل فى جهات عديدة، ويكسب الكثير، وأننى جذبته بشخصيتى وحضوري، وأنه يبحث عن الروح وليس الجسد، وترك لزوج أختى بحث الموضوع مع أبى وإخوتي، أما هو فقال إنه سيخبر أهله بما اعتزمه، فأما أبى فقد اعترض على هذه الزيجة مؤكدا أن الفشل هو مصيرها، وربما يشكل الزواج خطرا على حياتي، وأما أهله فرفضوا مناقشة الموضوع من أساسه، وقاطعوه ولم يثنه عن ارتباطه بى شيء، ووجدتنى أتمسك به، فهو هدية السماء لي، ودعوتى إلى الله بأن يمن عليّ بمن يكون سندا لى فى الحياة، نعم أنه الشخص الذى طالما راودنى فى أحلامى واعتبرته حبا مستحيلا، فإذا به واقع أعيشه، وقلت له: لنتزوج الآن وليكن مايكون، واصطحبنى إلى المأذون، وروى له حكايتنا، فابتسم، وسألنى: من وكيلك فطلبت منه أن يكون هو وكيلي، وأعطيته رقم هاتف أبي، فاتصل به وعرفه بأننى سأتزوج وأنه سيكون وكيلى فوافق أبى نزولا على رغبتي، وإن أبدى تحفظه على ما يمكن أن ألقاه من عقبات بعد ذلك، فحتى لحظة عقد الزواج، كان الجميع متخوفين من المصير الذى أسوق نفسى إليه، سواء من الناحية الصحية، أو المعيشية، وكانوا على يقين تام بأن زوجى هو الذى سيتخلى عنى بعد أن يفيق على الحقيقة المرة التى أحياها.

 

وبعد القران استأجر زوجى حجرة واحدة فى منزل بالجيزة، واشترى بوتاجازا مسطحا وغسالة وسريرا، وبعض الأدوات المنزلية، وعمل فى أحد المقاهى القريبة من المنزل لكى يكون بامكانه أن يتردد على المنزل للاطمئنان عليّ، إذ لا أستطيع الحركة من مكانى بمفردي، ومازلت أنتظر جراحات عديدة فى ساقىّ، وقد قسم الحجرة إلى عدة أقسام، قسم به السرير وعليه ستارة لكى أجلس عليه إذا جاءنا أحد ضيوفه وقسم للجلوس فيه وصنع الطعام، وقسم للأدوات المنزلية، وللغسيل وضع خاص إذ أجلس أمام الغسالة. وأحاول انتشال الملابس ووضعها فى أحد الأواني، ويأخذها هو لعصرها ونشرها.

 

ونحرص على الخروج كل عدة أيام للتنزه على النيل، وأحيانا لا يكون معنا مليم واحد، ومع ذلك يظن كل من يرانا أننا من الأغنياء، أما إذا أراد أحد المارة مساعدتنا، فنحن نرفض العطف علينا، وأذكر أن أحد الفضلاء أصر على تقديم مبلغ مالى لنا، قائلا إنه هدية، لكنى طلبت منه أن يقدر موقفنا، وأنه لو أراد أن يساعدنا، فليوفر عملا مناسبا لزوجي، فانصرف الرجل وهو يتمتم بكلمات الإعجاب والتقدير لنا، وأما أهلنا فى أسوان وسوهاج فهم منبهرون بنا، ولا يصدقون السعادة التى نعيشها بأقل القليل، برغم ظروفى الجسدية بالغة الصعوبة، وألمح فى عيونهم السؤال الذى لم ينطق به أحد: كيف يمكن أن تكون العلاقة الزوجية ناجحة وأنا بهذه الحال؟.. وأرد عليهم عبر بابك الشهير: بأنه لا شيء مستحيل فى هذه الدنيا، فبالإخلاص والعزيمة والاصرار تتحقق الأحلام، ويسعد الأزواج.. والله اننا نكن لبعضنا حبا لو وزع على عائلتينا لوسعهما، حبا فى كل همسة ولمسة، ولقاء، ظاهريا وداخليا، حبا دفعنا إلى مواصلة رحلة العلاج لاستعدال ساقى الضامرتين، بدلا من شكلهما «المكوّر».. يعنى مجرد تحسين فى الشكل ولكنه يعنى لى الكثير، وقد أجريت لى جراحة فى إحداهما ومازالت موضوعة فى «جبس خاص» يناسب وضعى الصحي، وسوف تليها فيما بعد جراحة فى الساق الأخري، وتمضى بنا الأيام هادئة وجميلة.

 

أما المفاجأة التى دفعتنى إلى أن أكتب إليك هذه الرسالة، فهى إننى حامل!!.. ما شاء الله.. فلقد زرت الطبيب لإحساسى ببعض الأعراض التى ظننت أنها وعكة صحية، فإذا بالطبيب يجرى لى تحاليل الحمل، ويبشرنى والابتسامة تعلو جبهته «مبروك.. إنت حامل».. فتعجبت كيف لمثلى أن تحمل، وهى بهذا الوضع؟.. وكيف ستكون حالها فى شهور الحمل ثم الوضع؟.. لكنى تراجعت على الفور فهى إرادة الله الذى إذا أراد شيئا، فإنه يقول له: كن فيكون.. ونظرت إلى زوجى فإذا بالدموع تترقرق فى عينيه وأخذ يقول بصوت عال: الحمد لله.. الحمد لله. وعرف المرضى فى العيادة بأمري، واختلطت الابتسامات بالدموع فى مشهد أعجز عن وصفه، وقد لا يصدقه الكثيرون، لكنها الحقيقة التى أعيشها الآن مع زوجى وتوأم روحى الذى لولاه لما أصبحت زوجة، وفى طريقى لأن أصبح أما.. ولعل فرحتى وسعادتى التى دوت فى المنطقة التى نسكن فيها تكون قد وصلت إلى الجميع فى محافظتينا، فيشاركوننا أيامنا السعيدة، ويؤمنون بأن فى الحياة جوانب مشرقة وبأيدينا أن نستثمرها فنطمئن ويرتاح بالنا، أو أن نهملها فنشقى وننتظر الموت، وأجدنى أردد مقولتك الشهيرة «هناك أمل ما دمنا على قيد الحياة» وليتنا جميعا ننبذ الإحباط ونتطلع إلى فجر جديد، ونعى أنه بالفعل «لا يأس مع الحياة» ولكم منا التحية والسلام.

 

 

 

ولكاتبة هذه الرسالة أقول:

 

ما أروع صنيعك حين تحديت ظروفك الجسدية، وأصررت على محو أميتك، وأقبلت على القراءة والكتابة، والتواصل مع الآخرين عبر الإنترنت، ثم لجوئك إلى الأطباء المتخصصين طلبا لتحسين حالتك، وسعيا إلى القدرة على تحريك ذراعيك، وأملا فى تحريك قدميك فيما بعد، حتى وإن استحال وقوفك عليهما، وما أعظم ما تتصفين به من طيبة النفس، والرضا بما قسمه الله لك، والصبر على الشدائد التى واجهتها، ورفضك الاستسلام لما أملته عليك الحالة الجسدية التى ولدت عليها، فلقد وهبك الخالق عز وجل عقلا راجحا، وقوة شخصية لا تتوافران للكثيرين من الأصحاء، وكانا مفتاح الحياة بالنسبة لك، وهما ما جذبا إليك فتاك الذى وهبه الله هو الآخر القدرة على استشراف معادن الناس بمجرد النظر إليهم، فما أن وقع بصره عليك حتى أحس على الفور أنك «الملاك» الذى أهداه الله إليه، ليكمل معه مشوار الحياة.. إذ نظر الى صفاء وجهك، وابتسامتك الطبيعية الحانية ليس له وإنما لكل من حولك، ولما تحدث معك تأكد له احساسه بأنك النصف الآخر الذى يدخره الله له، وبالرغم من عدم وجود تجارب عاطفية فى حياته من قبل، فإنه أيقن أنك تختلفين عن سائر من رآهن أو تعرف عليهن، فجمال الشكل والجسد لا يكفى لإقامة زيجة ناجحة، حيث أنه بمرور الوقت تظهر علامات الزمن، ويتلاشى الجمال، وتبقى الروح.. نعم إن حسن المعاشرة هو الذى يدوم، واذا لم تكن العلاقة الزوجية قائمة على أسس راسخة من الإيثار والحب والتعاون، فلن تستمر، ولو أوتيت المرأة جمال الدنيا كلها، ولو أوتى الرجل كنوز قارون، فالسعادة تتعلق بالأرواح وليس بالأجساد.

 

والإنسان العاقل عندما يجد نصفه الثاني، يشعر أنه خلق من جديد، وتتغير نظرته الى الأشياء، ويتبدل إحساسه بها، فيحب كل من حوله، ولا يعرف الكره، ولا تجد الضغينة طريقا إليه، وليس حب زوجك لك من باب الشفقة، لأنه لا يتولد حب عن هذا الطريق، فالشفقة لها وجوهها التى تتمثل فى المساعدة والمؤازرة، ولكن لا يمكن أن ينجح بها الزواج. أو يتم بناء أسرة سعيدة ومستقرة، ولذلك لم يكن لتخوف عائلتيكما ما يبرره، وكل ما فى الأمر أنهم فكروا فى واقعك الجسدي، ولم ينظروا الى حبكما الروحى والعقلى الذى تحدى الصعاب، فتحقق لكما ما كنتما تبغيانه من سعادة واستقرار.

 

إن هناك لحظات فى حياة كل امرأة تحس فيها بالحاجة الى رجل لكى تحبه بكل جوارحها، وقد عشت هذه اللحظات فى «لقاء المصادفة» الذى ساقته إليك الأقدار لكى تلتقى بمن ملك حياتك بالحب الذى ظننته مستحيلا، وكان جمال روحك هو خيط الوصال بينكما، فأجمل امرأة هى التى تبدو كلمات الحب على شفتيها، وينطق بها لسان حالها، وليس الجمال بمقاييسه المتعارف عليها، ولذلك فإننى أتحفظ على كل فتاة من ذوى الاحتياجات الخاصة تمنع نفسها عن الحب، ولكنها تحلم به ضمنيا وفى خيالها، وأنت نموذج رائع لمن تمردت على هذه الرؤية القاصرة، فلم تمنعى نفسك من الحب، وأبحت به لمن رأى فيك فتاة أحلامه، ولعل صنيعه معك يكون دافعا للشباب الذين يجدون فتيات أحلامهم بين «المعاقات» لكنهم يخجلون من البوح بما تكنه نفوسهم خوفا من رفض المجتمع المحيط بهم، فالإنسان العاقل هو الذى يزن الأمور بمقاييسه هو لا بمقاييس أهله، وتبقى مشورتهم هى نقطة الترجيح فى الأمور التى لم يحسمها بعد، أما اذا عزم على شيء ودرس أبعاده فليكمل مشواره فيه معتمدا على إمكاناته وعزيمته ومتوكلا على الله بعد أن يؤدى كل ما عليه.

 

ولقد أعجبنى فيكما أنكما لم تحطمكما التوافه، فكم من أناس همهم ملء البطون، وإقامة الدور والقصور، ولم تنظر أبصارهم الى سماء المثل، ولم يتطلعوا الى نجوم الفضائل، فهم كل منهم ومبلغ علمه الطعام والشراب والملابس والسيارات وخلافه.. انظرى الى أعداد هائلة من الناس تجدين أن أسباب تعاستهم تنحصر فى خلافات مع الزوجات أو الأبناء، أو الأقارب، أو سماع كلمة نابية، أو موقف تافه فيقيمون الدنيا ولا يقعدونها، تجديهم مهمومين لهذه الأسباب، وليس عندهم من المقاصد العليا ما يشغلهم، ولا من الاهتمامات المفيدة ما يملأ أوقاتهم.. ولهذا وذاك أقول: اجعل لكل شيء حدا معقولا، وأصدق من ذلك قوله تعالى «قد جعل الله لكل شيء قدرا»، فأعط القضية حجمها ووزنها وقدرها وإياك والغلو فيها، وعليك أن تقنع بما قسمه الله لك من مال وولد وسكن وموهبة، وهذا منطق القرآن الكريم «فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين»، واذا استعدنا سير العظماء نجد أن أغلب العلماء كانوا فقراء، ومع ذلك أسعدوا أنفسهم، ونشروا السعادة فى الإنسانية، لأنهم وجهوا ما آتاهم الله من خير فى سبيله الصحيح، فبارك الله لهم فى كل شيء، ولذلك فإنى على يقين من أن ينابيع الخير والسعادة سوف تتفجر فى بيتكما الصغير، وسوف يمن الله عليك بالشفاء، وستصبح صحتك أفضل بمواصلة العلاج، والعزيمة والإصرار على تحدى الصعاب، وأحسب أن زوجك بما عليه من خلق ودين وصفاء نفس، وعزيمة قادر على أن يواصل عطاءه من أجلك، ومن أجل ابنكما المنتظر الذى سيكون نقطة تحول مهمة فى حياتكما، فكل إنسان يرى الدنيا من خلال عمله، وفكره وبواعثه، فإذا كان العمل طيبا، والفكر نظيفا، والبواعث طاهرة، كان منظاره الذى يرى به الدنيا نقيا، ورأى الدنيا جميلة كما خلقت، واذا تغبّش منظاره، واسود زجاجه رأى كل شيء أسود مغبشا، فهناك نفوس تصنع من كل شيء شقاء، ونفوس تصنع منه سعادة، فهذه امرأة لا تقع عيناها إلا على الخطأ فتحيل البيت الى نكد لو أن أحد أبنائها أو زوجها كسر طبقا، أو عثرت على قطعة من الملابس ملقاة على الأرض، وهذا رجل ينغّص على نفسه ومن حوله حياتهم من كلمة يسمعها أو يؤولها تأويلا سيئا، أو من مال كان ينتظره ولم يحصل عليه!.. وأمثال هؤلاء لديهم القدرة على المبالغة فى الشر، فيجعلون من الحبة قبة، ولا تصفوا نفوسهم أبدا.

 

إن الحياة فن يتعلمه المرء، وخير له أن يبذل ما فى وسعه لتصفية نفسه، وزرع الحب فى حياته، من أن يتعب نفسه فى جمع المال، ويقاطع الآخرين.. وهذا هو ما أدركتماه بفطرتكما السليمة، وعرفتما أن الصعاب فى الحياة أمور نسبية، فكل شيء صعب جدا عند النفس الصغيرة جدا، ولا صعوبة على الإطلاق عند النفس العظيمة التى تزداد عظمة بمغالبة الصعاب، ولا شيء أقتل للنفس من شعورها بصغر شأنها، وقلة قيمتها، وأنه لا يمكن أن يصدر عنها عمل عظيم، فالشعور بالضعة يفقد الإنسان الثقة بنفسه والإيمان بقوتها، فإذا أقدم على عمل ارتاب فى مقدرته وفى إمكان نجاحه، وعالجه بفتور فإنه يفشل فيه.. ومن هذا المنطلق أرى أن ثقتكما بنفسيكما فضيلة كبرى عمادها النجاح فى الحياة، وإننى أرجو من أبناء عائلتيكما أن يشدوا من أزركما بعد أن تأكدوا من حبكما الكبير، وإصراركما على إثبات هذا الحب على هذا النحو الرائع، الذى هو واقع يتحاكى به الجميع، وليس «الحب المستحيل» الذى كانوا يتصورون فشله، أسأل الله أن يديم عليكما السعادة، وأرجو أن تتفضلا بزيارتى وسوف تتولى عيادة بريد الأهرام متابعة حملك واستكمال مشوارك مع العلاج.. والله المستعان.

لا تعليقات