arhery heros center logo v2

           من منصة تاميكوم 

آخر المواضيع

  • بعض معاني كلمات القرآن الكريم التي تفهم في العامية بشكل مختلف | 24-02-2024
  • مراحل الظالم في القرآن الكريم | 24-02-2024
  • كل ما تريد أن تعرفه عن مشروع رأس الحكمة | 23-02-2024
  • العملات المصرية عبر التاريخ | 23-02-2024
  • قصيدة قد كفاني علم ربي من سؤالي واختياري .. | 23-02-2024
  • أدعية من المصحف الشريف  | 16-02-2024
  • انشاء تحالف البرمجيات مفتوحة المصدر , و جوملا تنضم له مع وورد بريس و دروبال و آخرين | 16-02-2024
  • ماهي اهم وظائف عالم الطيران.؟؟ | 15-02-2024
  • أسماء اللكمات والركلات فى الكيك بوكسينج (Kick boxing) باللغة الإنجليزيه وكيفية نطقها باللغة العربيه | 12-02-2024
  • الفرق بين لفظ إمرأة و زوجة و صاحبة في القرآن الكريم | 16-01-2024
  • رموز النظام العالمي لتفادي الارتباك في نطق اللغة الإنجليزية | 15-01-2024
  • مركبات الياف الكربون (CFRP) | 14-01-2024
  • حل ثلاث مشكلات : الشهوة ، الشقاء و الاكتئاب | 30-12-2023
  • الاعجاز اللغوي في تبشير سيدنا عيسي بأحمد و ليس بمحمد | 29-12-2023
  • حل الألغاز الفاقعة للمرارة | 28-12-2023
  • ألغاز فاقعة للمرارة | 24-12-2023
  • مُفردات قرآنية قد يَشْكُلُ على البعض فهمها | 19-12-2023
  • دعاء الملك "إخناتون | 16-12-2023
  • نقد ادبي بقلم الدكتور عبد الحافظ بخيت لرواية شام لاجئة اسطونت قلبي | 15-12-2023
  • كيف تغلق خاصية : Disable PHP output buffering للموقع الالكتروني | 06-12-2023
  1. الرئيسية
  2. بريد الجمعة
  3. بريد الجمعة يكتبه: أحمد البرى .. الجنة الموعودة!

تعبت كثيرا فى البحث عن حل لمشكلتى التى أحالت حياتى إلى جحيم، ولم أجد فى الحلول التى يعرضها عليّ أهلى ومعارفى ما يريحني، ويجعلنى أطمئن إلى المستقبل. فلجأت إليك وكلى أمل فى أن ترشدنى إلى الطريق السليم، فأنا سيدة تخطيت سن التاسعة والعشرين بشهور، وقد نشأت فى أسرة ريفية لأب يعمل مدرسا بالتعليم الثانوي، وأم حاصلة على مؤهل عال لكنها لم تعمل وتفرغت لرعاية الأسرة، ولى شقيقان «ولد وبنت»، وأتذكر سنوات الصبا عندما كنا نلعب ونمرح فى المنزل الواسع، وجدى يلاعبنا، ويشترى لنا ما نطلبه من ألعاب، ويسعد بنا، ولا يضيق بشقاوتنا أبدا، وعرفت وقتها أن جدتى ماتت منذ سنوات، وأن جدى لم يتزوج بعدها. ورفض بإصرار الارتباط بأخري، ومضت حياتنا فى هدوء، وكبرت والتحقت بالمدرسة، وتبعنى شقيقاي، وهما يقتربان منى فى السن، وعندما كنت فى السنة الثالثة الابتدائية، أصيب أبى بجلطة فى القلب، وشفى منها بفضل الله، واعتقدنا أن حالته قد استقرت، ولكن سرعان ما تعرض لأزمة شديدة، نقل إثرها إلى المستشفى وأدخله الأطباء غرفة العناية المركزة، ثم غرفة العمليات لإجراء عملية قلب مفتوح. وكنا جميعا ننتظر فى الاستراحة خروجه سالما معافي، وعندما فتح الجراح باب الحجرة، أدركت وأنا طفلة أن أبى مات، من ملامح وجهه المتجهمة، وسأله جدي، «أخبار ابنى ايه يا دكتور»؟ فرد عليه باقتضاب: البقاء لله.. فانهرنا جميعا وأخذنا العاملون بالمستشفى والزوار الذين كانوا موجودين بالمصادفة وقتها إلى الاستراحة، وأنهوا إجراءات خروج الجثمان، واستخرجوا تصريح الدفن، وأبلغوا أهلنا فى القرية بوفاة أبي، وبكاه الجميع بحرقة وألم، فلقد كان أبى دمث الخلق، ويعامل الكبير والصغير باحترام شديد، ووهب حياته القصيرة لخدمة أهل بلده، ومازال اسمه يتردد إلى الآن كلما تحدث الكبار عن الشهامة والمروءة وإيثار الآخرين.

 

وبعد انتهاء مراسم العزاء أغلقنا بابنا على أنفسنا، وحاول جدى برغم جراحه المؤلمة أن يتماسك أمامنا، ودار حوار طويل بينه وبين والدتى التى تولت الوصاية علينا، وأكدت له أننا حياتها، ولن تتركنا بأى حال من الأحوال، وأبلغت أخوالى بقرارها، حيث إن جدى وجدتى لوالدتى متوفيان، ومرت سنتان، لم نشك خلالهما من شيء، لا ماديا، ولا معنويا.. فجدى يوفر لنا ما نريده، ويسهر على راحتنا كما كانت عادته حتى فى وجود والدي، وكانت أمى مستقرة تماما، وفاتحت جدى فى رغبتها فى العمل بمؤهلها الدراسي. فقدم لها أوراقها فى أكثر من جهة، وجاءها التعيين فى هيئة كبري، وبينما كانت تستعد لتسلم العمل، لاحظت زيارات يومية من خالتي، وبعض قريباتنا، وظهر على وجه جدى الشرود والحزن، وما هى إلا أيام حتى علمت بأن أمى جاءها عريس مطلق ولديه أربعة أبناء «بنتان وولدان»، ويقطن بمحافظة بعيدة عنا، وتربطنا به صلة قرابة عن طريق النسب، ويعمل فى وظيفة كبرى تدر عليه أموالا طائلة، وقد طلق زوجته طلاقا بائنا، وتزوجت بآخر، ورفضت أمى أى عروض للزواج، قائلة إنها ستكرس حياتها لنا، ورتبت نفسها لذلك، فهى لن تتركنا فى مهب الريح مهما تكن الإغراءات، لكن خالتى وزوجها، وهو ابن عمها ألحا عليها، وكان «الزن على الودان» أمر من السحر «كما يقولون» فوافقت أمى على هذه الزيجة بشرط أن تأخذنا معها، فاستغرب أهل العريس ذلك، بل واعترض أبناؤه وقالوا «حنبقى سبعة فى شقة»، وظلت المفاوضات دائرة بين الطرفين، وجدى جالس على أريكته يتحسر على ابنه المتوفي، وبيته الذى صار مكانا لحوارات من سوف يحل محله، وأخيرا نجحوا فى إقناع أمى بأنها سوف تسافر معه بمفردها لفترة، يكون بعدها قد انتقل إلى بيت مستقل فنسافر معها، أما نحن فلم يفكر أحد حتى أمى نفسها، مع من سنعيش؟.. وهنا حسم جدى الأمر، وقال «انهم مسئوليتي»، وكانت صفعة قوية لأناس يظهرون عكس ما يبطنون، نعم ـ يا سيدى فلقد باعتنا أمى بضغط من أهلها، متجاهلين أننا فى وصايتها، وليس لنا أحد يراعينا، ويوفر لنا متطلباتنا المعيشية من غسل الملابس، وطهو الطعام وتنظيف البيت وغيرها من المهام التى لا تقوم بها سوى إمرأة، فالرجل مهما أوتى من صبر وخبرة لا يتحمل ذلك، لقد ذهبت إلى زوجها بعد عقد الزواج بساعات. ومرت شهور لا نعرف عنها شيئا، وبعد عام أو أكثر قليلا وضعت أمى مولودها الأول من زوجها، ثم وقعت خلافات شديدة بينهما، فطلقها وأخذ منها الطفل. وعادت إلى بيت عائلتها لتعيش فى حجرة بمفردها، وحاولت أن تعود إلينا من جديد، ولكن هيهات أن يتيح لها جدى ذلك، فلقد تأقلمنا على غيابها، وصار جدى كل حياتنا، وتعلمت أنا وأختى أن نساعده فى ترتيب البيت، وتنظيم وقت المذاكرة، وعرف أخى مهامه بقضاء بعض المشاوير الخاصة بنا. كاستخراج الأوراق من الجهات المعنية، وشراء الطلبات.

 

ومرضت أمى مرضا شديدا، فزرتها وكذلك شقيقاي، وحثنا جدى على التواصل معها فى زيارات من حين لآخر، وكم تمنيت أن تعود إلى بيتنا، ولكن كان مستحيلا أن يحدث ذلك، ولم تستطع أن ترى ابنها من زوجها الثانى بعد أن باعدت المسافات بينهما، بينما شرع مطلقها فى الزواج من ثالثة ليكرر ـ معها المصير نفسه!، وأغلقت حجرتها على نفسها، وشحب لونها، وسمعتها ذات مرة وهى تقول لخالتى «ليه عملتى معايا كده» فردت عليها «أنا كنت عاوزة مصلحتك، وصعبانة عليّ»، فردت عليها، «وهو اللى حصل لى ده كويس»، أنا سبت العيال، وكان ده مصيري!!

 

ومضت حياتنا مع جدى على ما يرام، وتفوقنا فى دراستنا على كل أقراننا، بمن فيهم أولاد خالتى وبعد تخرجى من الجامعة، طرق بابى عريس من قرية مجاورة، فسألنى جدى عن رأيى فيه، فطلبت منه أن يرتب لنا لقاء أو اثنين فى المنزل لكى أتعرف على طباعه ولما جلست معه وجدته طيب القلب، ويتمتع بالأخلاق العالية. ونقاء السريرة، بل قل هو «انسان قدري».. فأسررت إلى جدى بما لمسته فيه، فأثنى على تفكيري، وقال «على بركة الله»، وكان يوم زفافى إليه، و لا فى الأحلام، إذ حضرته القرية كلها، ولم تنقطع دموع جدى طوال الحفل، وتعالت الزغاريد من الجميع، كانت فرحتهم من القلب، وتذكروا والدى الذى رحل فى ريعان الشباب، وأمى التى لم تقو على حضور الحفل بعد أن ساءت حالتها الصحية والنفسية، وأخطأت فى حقها وحقنا.

 

وبدأت حياة جديدة سعدت فيها بزوجى الذى وجدته أروع مما تخيلته، وسرعان ما تزوجت أختى من شاب أحبته، وجمعهما عش هادئ، ثم تزوج أخى من زميلة له، وعاش مع جدى الذى أكمل رسالته معنا على أكمل وجه، ثم لقى ربه بعد مرض قصير آمنا مطمئنا، وفى يوم رحيله أصررت على أن أذهب مع زوجى وأشاركه تشييع الجنازة، وظللت أردد بصوت مسموع «يا أيتها النفس المطمئنة ارجعى إلى ربك راضية مرضية فادخلى فى عبادى وادخلى جنتي».. وعدنا إلى بيتنا وقد تسلل إليّ احساس غريب، بأن شيئا ما سيحدث لي، وإن لم أتبين معالمه، فقلت فى نفسى لعله إحساس كاذب نتيجة ارتباطى بجدي، وما مررنا به من تجارب مؤلمة، وكنت وقتها حاملا، ومرت شهور الحمل، ووضعت توأما جميلا، «ولدين»، يشبهان أباهما تماما.. وعرفنا الفرحة من جديد، وجاءنا شقيقى وشقيقتي، واحتفلنا بأول مولودينا، وأطلقنا عليهما اسمى أبى وجدي، ووافق زوجى على تسميتهما باسميهما، وباركت عائلته أيضا الاسمين، وأقبلت على رعاية مولودّى وأنا فى قمة الراحة التى لم يعكر صفوها سوى الهاجس الذى سيطر عليّ منذ يوم وفاة جدي، ولم أبح بهذا السر لأحد، ومرت شهور وكلما انقبض قلبى استعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وجاءت اللحظة التى كنت أخشاها ولم أتبين معالمها، فلقد مات زوجى فى حادث سيارة مسرعة صدمته فى أثناء عبوره الطريق إلى عمله، وتكرر المشهد المأساوى عندما مات أبى فى أثناء جراحة القلب المفتوح، وتكررت السيناريوهات التى حدثت مع أمي، فبعد شهور العدة تقدم لى الكثيرون لطلب الزواج مني، ومنهم من لم يتزوج من قبل، وكلهم يقولون لى إن ابنيّ سيكونان فى عيونهم، لكنى رفضت رفضا قاطعا، ومر عامان، وأنا أحتوى ولدّى وأجد التعاون من أهل زوجى رحمه الله، وكم قلت لأخى وأختى إننى لن أكرر مأساة أمي، التى تركتنا من أجل رجل «رماها ورمانا». ومازالت طريحة الفراش تتجرع كأس المرارة لما فعلته بنفسها وبنا، لكنهما يقولان إن الظروف مختلفة، وأن ابنّى سيكونان معي، كما أن من يرشحوهم للزواج منى ليس لديهم أبناء، ومنهم شباب لم يتزوجوا.

 

إننى أواجه ضغوطا شديدة ممن حولي، ولكن كلما مر بخيالى شريط الأحداث منذ وفاة أبى وزواج أمى وتشتتنا أنا وشقيقيّ، وما انتهت إليه الأمور، أخشى أن يتكرر لى ما حدث وأجنى على ابنيّ، ولا أدرى كيف أتصرف فى مواجهة الالحاح الشديد عليّ بالزواج، إذ أعيش فى نكد دائم لا يغادرنى ليلا ولا نهارا وعندما يأتى المساء ينام الجميع، ويغلقون بيوتهم على أنفسهم، وأظل وحدى ساهرة حتى الصباح، أنظر إلى طفليّ، ولسان حالى يقول لهما: لن أفعل بكما ما فعلت أمى بنا، لن أترككما تواجهان المصير المجهول، وسأظل إلى جواركما إلى النهاية، فأنتما لى «الجنة الموعودة»، وليس من جاء ليأخذنى منكما، أى والله ياسيدي. أحاور نفسى كل ليلة حتى إذا طلع النهار والتقيت الناس، أطبق اليأس عليّ حتى أكاد أختنق، فأتمنى الموت على العذاب الذى لا أجد له نهاية.

 

أعلم أن نظرة الناس إلى الأرملة أو المطلقة نظرة قاصرة، فكل خطوة محسوبة عليها.. ويأولون أى كلمة تقولها، فإذا خرجت إلى قضاء مصلحة ما، يسألون: إلى أين هى ذاهبة؟، وإذا تحدثت مع أحد يتهامسون فيما بينهم: «ياترى فيه إيه بينهم»، هذا هو دأب الكثيرين لكنى لا أعير أى اعتبار لهذه التصرفات الكريهة، فأنا أعرف الله، وأتقيه فى كل صغيرة وكبيرة، وقد أخذت نصيبى من الزواج، وليست فيه رغبة، لكن أخى وأختى يقولان إننى مازلت صغيرة، ومادمت ستأخذين ابنيك معك، فلا غبار على زواجك، ولكن من يضمن لى ألا يخل الزوج المنتظر بوعده.. كما أخل زوج أمى بوعده، بل وطلقها، وأخذ ابنه منها؟.. لقد عجزت عن التفكير، وأبعث برسالتى إليك راجية أن تنير لى الطريق، وتشير عليّ بما يخرجنى من الدوامة التى أدور فيها، ولا أجد مخرجا منها.

 

ولكاتبة هذه الرسالة أقول:

 

عندما يستخدم المرء عاطفته وحدها للحكم على الأشياء دون أعمال العقل، حتما سيكون الفشل هو المصير المحتوم لما ذهب إليه، فلقد استخدمت خالتك وبمساعدة زوجها عاطفتها فى إقناع والدتك بالزواج، من منطلق أنها صغيرة فى السن، وأن من تقدم للزواج منها، ولو أن لديه اربعة أبناء، فإن حالته المادية الميسورة سوف تساعده على توفير حياة مريحة ونسيا أنه يصعب تماما أن ترعى أمك سبعة أبناء، أنت وشقيقيك وأبناءه، علاوة على أولادهما فيما بعد، وأن زوج الأم سوف يفضل أبناءه على سواهم، ولن يدع لها فرصة المساواة بين الجميع.. هذه هى القاعدة فى الزيجات التى تضم أولادا بهذا العدد، وقد تختلف الحال إذا لم يكن قد تزوج من قبل، فحينئذ يكون أكثر رحمة ورفقا بأبناء زوجته الأيتام، وقد تتبدل أحواله بعد أن ينجب ويصير لديه أبناء من صلبه.. ولقد كان زوج أمك واضحا منذ البداية برفضه ضمكم إلى كفالته، ورعايتكم ولم يصنع صنيع ذوى الفضل، وكان شرطه القاطع كافيا لرفض هذه الزيجة، ولا أدرى لماذا ضغطت خالتك وزوجها على أمك، وكيف قبلت بهذه الزيجة؟... هل أغرتها أمواله؟... وماذا كسبت منها؟.. ولماذا لم تتحر أسباب طلاقه زوجته الأولى بعد أن أنجبت أربعة أبناء؟... ثم ألم يكن هناك من هو أنسب منه، ومن يخاف الله، ويخشى عذابه، ويكون أبا لأيتام فقدوا أباهم وهم أطفال؟.. لقد كانت نتيجة تصرفهما الأحمق هو طلاق أمك بعد أن أنجبت ولدا ضمه إليه، وتحميل جدك الرجل الصلب ما لا يطيق، لكنه لم يبال بالصعاب، ولعب دور الأب والأم بالرغم من متاعبه الصحية وآلامه النفسية، وكان حقا على الله أن يسكنه فسيح جناته، وقد أدى رسالته على أكمل وجه، ورباكم أحسن تربية، حتى صرتم أصحاب بيوت ناجحة.

 

وها هى الأيام قد مرت، وشاء القدر أن تواجهى الموقف نفسه، وكلك خوف من تكرار تجربة أمك المريرة، والعجيب أن الضغط عليك يأتى من شقيقك وشقيقتك، وقد قاسيا معك الامرين بعد زواج أمكم، وهما يحكمان أيضا العاطفة لا العقل، لكن الأمر بيدك وحدك فأنت القادرة على المواءمة بين متطلباتك النفسية والجسدية باعتبار أن الزواج حق لك كفله الدين، ورعاية طفليك اللذين ليس لهما فى الدنيا سواك، إذ كيف ستسير الامور لو أن من ارتبطت به حنث بوعده، واجبرك على التخلى عن ابنيك، فأمك مريضة، ولا تستطيع خدمة نفسها، وأهل زوجك الراحل لم تحددى موقفهم، وأغلب ظنى أن كل واحد مشغول بحاله، وسيجد الوالدان إن عاجلا أو آجلا نفسيهما عرضة للضياع.

 

إن آفة مجتمعنا أن الأرملة تجد نفسها وحيدة بعد انقضاء «أيام المواساة» عقب رحيل زوجها، فتحاول لملمة حروف حياتها المبعثرة، وتربية أطفالها، ويتركها الجميع لهذه المهمة وحدها، بل ولا ترحمها سهامهم القاتلة، فهى لا تسلم من النقد، إذا تزوجت وانتقلت إلى بيت آخر، فالأرملة التى يموت زوجها، ولديها أبناء صغار تواجه ثلاث صدمات، الأولي، اجتماعية، وتتعلق بمكان اقامتها، فلقد جرى العرف بأن تعيش فى سكنها نفسه مع اولادها، ويراعيها أهل الزوج، والثانية، نفسية حيث تتولد لديها حالة من التوتر والخوف على الأولاد، وفقد الجانب العاطفى والوجداني، والثالثة: اقتصادية، وتتمثل فى توفير مصاريف الاسرة، وقد تضطر إلى العمل إذا لم يكن لديها دخل كاف سواء من المعاش أو من عائد أملاك زوجها الراحل... وهناك كثيرات من الأرامل يتفادين هذه الصدمات ويواصلن حياتهن، ويكن أمهات مثاليات فى العطاء، بلا مقابل، وبعضهن يتعثرن نتيجة الظروف غير المواتية التى تواجهن، فيلجأن إلى الزواج طلبا للستر ورعاية الأبناء.

 

والحقيقة أنه فى حالات كثيرة يكون زوج الأم أحسن على الأبناء من أبيهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصا على تزويج الأرامل والمطلقات، وفعل هو ذلك حتى يقتدى به الصحابة، والمهم هو أن تحسن المرأة اختيار من ترتبط به وتجد فيه تعويضا لأبنائها عن أبيهم، ويكون هذا شرطا أساسيا قبل الزواج، فإذا أخلف وعده تتركه ولا تتخلى عن أبنائها مهما يكن الثمن، ومن الأفضل أن تؤجل الإنجاب منه إلى أن تستقر أوضاعها معه، ولا ترتكب الخطأ الذى وقعت فيه أمك... ومن هذا المنطلق أرى أن تتريثى فى قبول الزواج من آخر إلى أن تضعى النقاط على الحروف بشأن مصير طفليك، والضمانات التى تكفل لهما حقوقهما، ويكون أهل زوجك على بينة من الأمر كله، حتى لا تحدث فجوة بينك وبينهم، فأى إجراءات من طرفك دون أن يكونوا شركاء فيها سيكون مردودها سلبيا،، خصوصا إذا لم تنجحى فى حياتك الجديدة، وأعتقد أن العقلاء منهم سيقفون إلى جانبك، فإذا رأيت أن زواجك لن يتعارض مع مصلحة ابنائك، فهذا حقك الذى لا ينازعك فيه أحد، ولا يمكن اطلاق احكام عامة تنطبق على الجميع، فلكل أرملة قصة وحالة تختلف عن الأخريات، ولها حق اختيار مستقبلها، والطريق الذى تراه الأنفع لها ولأولادها.

 

وإذا كانت الأرملة تنشد السعادة، فإن عليها أن تنشدها فى الصورة التى ركبها الله عليها، فترضى بوضعها الأسري، ومستوى معيشتها وحياتها، والظروف التى وجدت نفسها فيها، بل وترضى بأقل مما هى فيه، وليكن هذا هو منهج الجميع، حتى يعيش المرء فى راحة وطمأنينة، فانظرى إلى ما أنعم الله عليك به من العلم والأخلاق والجمال، فلقد جعلك برغم الظروف القاسية التى مررت بها فى حياتك من اليتم ثم موت الزوج، راضية وقانعة وصابرة، ومن بلغت هذه المنزلة اراها جديرة بأن تشاهد حسن القمر والنجوم ولا تبالى بسواد الليل، أراها تستمتع بحلاوة العسل فى ظل ولدين رائعين، ولا تشكو لسع النحل، فالدينا مزيج من السعادة والشقاء، والعاقل هو الذى ينظر دائما إلى الجانب المشرق فيها، ويستعين بالله، ويبتعد عن كل ما يعكر صفوه، فالحياة لا تكتمل لأحد، فمن يملك بيتا ليس لديه سيارة، ومن لديه شهية قد لا يجد الطعام، ومن عنده ما لذ وطاب من المأكولات، قد يمنعه الاطباء منها وإياك والمتشائم، فإنك ترينه الزهرة فيريك شوكها، وتمدحين له الشمس فيشكو حرارتها، فهو ينظر إلى الجانب المظلم للأشياء، ولا يلتفت أبدا إلى جانبها المشرق.

 

وأدعوك إلى تأمل قول الشاعر:

 

إذا اشتملت على اليأس القلوب

 

وضاق بما به الصدر الرحيب

 

وأوطنت المكاره واطمأنت

 

وأرست فى أماكنها الخطوب

 

ولم تر لانكشاف الضر نفعا

 

وما أجدى بحيلته الأريب

 

اتاك على قنوط منك غوث

 

يمن به اللطيف المستجيب

 

وكل الحادثات وأن تناهت

 

فموصول بها فرج قريب

 

اسأل الله أن يهيئ لك من أمرك رشدا، وأرجو أن تتريثى فى قبول أو رفض الزواج حتى تنكشف لك كل الخيوط، وتبدد الغيوب، وتصبحى على بينة من كل شيء، وهكذا تسعدون جميعا، وتضحك لكم الدنيا بإذن الله.

لا تعليقات